تسعيرة القمح تشعل غضب مزارعي سوريا وسط مطالب برفعها

تسعيرة القمح تشعل غضب مزارعي سوريا وسط مطالب برفعها -- May 19 , 2026 75

أثار قرار وزارة الاقتصاد والصناعة في سوريا تحديد سعر شراء القمح في مراكز الشراء الحكومية جدلاً واسعاً بين المزارعين، وسط تحركات وصلت إلى تنظيم اعتصامات في عدد من المدن والأرياف، للضغط على الحكومة من أجل تعديل القرار ومراعاة هامش ربح يشجع المزارعين على تسويق إنتاجهم.

وحددت الوزارة سعر شراء طن القمح القاسي من الدرجة الأولى "مشوّل"، أي المعبأ بأكياس، عند 46 ألف ليرة جديدة (4.6 مليون ليرة قديمة)، ما يعادل نحو 335 دولاراً وفق سعر الصرف في السوق الموازية. ويعني ذلك أن سعر الكيلوغرام يبلغ نحو 33.5 سنتاً، مقارنة بـ45 سنتاً في الموسم الماضي، موزعة بين 32 سنتاً كسعر رسمي و13 سنتاً كمكافأة تشجيعية.

وجاء الغضب أساساً لأن التسعيرة الجديدة، وفق مزارعين تحدثوا إلى "الشرق"، بالكاد تغطي تكاليف الإنتاج ولا تترك هامش ربح كافياً، ما يقلص قدرتهم على تعويض خسائر المواسم السابقة أو التحضير لمواسم لاحقة، خصوصاً في مناطق الإنتاج الرئيسية مثل الحسكة والرقة ودير الزور وحلب.

اعتصامات وغضب بين المزارعين
خلال الأيام الماضية، خرج عدد من المزارعين في اعتصامات رفضاً للتسعيرة الجديدة التي اعتبروها "مجحفة"، ورفعوا يافطات تطالب بضرورة إعادة دراستها وتعديلها، بما يراعي هامش ربح مناسباً للمزارع.

كما تداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع مصورة أظهرت مزارعاً يتلف محصوله في درعا احتجاجاً على السعر، وآخر يحرق جزءاً من محصوله في الحسكة.

وقال خالد محمد، وهو مزارع من مدينة عامودا بريف الحسكة، لـ"الشرق" إن "التسعيرة الحكومية جاءت صادمة للفلاحين، لأنها لم تغطِّ حتى تكاليف الإنتاج، خصوصاً في المساحات المروية".

وأضاف أن هذه الظروف تعني "موسماً صفرياً إضافياً في الأرباح، بعد موسم العام الماضي الذي تأثر بالجفاف وقلة الأمطار"، مشيراً إلى أن المزارعين كانوا ينتظرون "موسماً يعوض خسائر العامين الماضيين، وما رتّبته من ديون كبيرة عليهم".

ونبّه محمد إلى أن "التسعيرة الحكومية لن تحقق للمزارع ذلك"، معتبراً أن عدم تعديلها قد يدفعه إلى "الإبقاء على موسمه وعدم تسليمه للمراكز الحكومية، وبيعه كبذور مع بداية الموسم المقبل".

من جهته، رأى المزارع داود الصالح من الرقة أن "القرار جاء متزامناً مع ارتفاع تكاليف الإنتاج، من محروقات وأسمدة وبذور وأجور نقل وعمالة، وبعد موسمي جفاف". وأضاف أن هذه الظروف زادت الضغوط على المزارع "المثقل بالديون والخسائر".

ضغوط إضافية على المزارعين
لم تقتصر الضغوط على التسعيرة، إذ جاء إقرارها بعد وقت قصير من قرارات حكومية برفع أسعار الكهرباء والمحروقات، بنسب بلغت 50 ضعفاً للكهرباء، وما بين 20 و40% للمحروقات، وهي من المدخلات الرئيسية في الإنتاج الزراعي.

وزاد تسعير طن القمح بالليرة السورية، لا بالدولار، من الأعباء، خصوصاً مع تراجع قيمة الليرة بنحو 25% منذ عام حتى الآن، ما يهدد بتآكل قيمة السعر المحدد في حال واصل سعر الصرف تغيره.

كما جاء القرار بعدما أفضى مسار دمج مؤسسات الإدارة الذاتية الكردية في المؤسسات الحكومية إلى تخلي الإدارة عن فتح مراكز لتسلم القمح من المزارعين، ما أنهى حالة "التنافس" بينها وبين الحكومة على شراء المحصول، وهي الحالة التي ميّزت موسم العام الماضي.

وتأتي هذه الظروف رغم ارتفاع الهطولات المطرية والمساحات المزروعة خلال الموسم الحالي. وبلغت المساحات المخططة لزراعة القمح هذا العام، وفق وزارة الزراعة، 1.4 مليون هكتار، منها 640 ألف هكتار مروي و830 ألف هكتار بعل، وهي تقارب مساحة الموسم السابق، مع زيادة قدرها 20 ألف هكتار.

أما المساحة المنفذة، فبلغت 1.2 مليون هكتار، بنسبة تنفيذ 86%، منها 505 آلاف هكتار مروي بنسبة تنفيذ 79%، و763 ألف هكتار بعل بنسبة تنفيذ 92%.

وتُعدّ هذه الأرقام جيدة قياساً بمواسم سنوات الحرب، لكنها لا تشكل سوى نحو 60% من إنتاج البلاد قبل عام 2011، حين كان متوسط الإنتاج يبلغ نحو 4 ملايين طن سنوياً، بما يكفي لتغطية حاجة البلاد، مع فائض للتصدير أو التخزين لمواجهة الظروف غير المتوقعة.

خبير: السعر يغطي رأس المال من دون ربح
رأى الخبير الزراعي ورئيس مديرية زراعة الحسكة الأسبق رجب السلامة، أن التسعيرة يجب أن يُنظر لها تبعاً لنوع المحصول وتكاليف إنتاجه.

وأكد في تصريحات لـ"الشرق"، أن التسعيرة الحكومية بالنسبة لمحصول القمح البعلي، "مناسبة إلى حد ما، بغض النظر عن حاجة المزارع لتعويض خسائر المواسم السابقة، ووجود مخاطر لا تزال تهدد المحصول"، وذلك بسبب معدلات هطول الأمطار الجيدة هذه السنة.

أما بالنسبة للقمح المروي، فإن "التسعيرة تساوي رأس المال من دون أي هامش ربح للمزارع"، واصفاً المبررات التي تقول إن المزارع لا يحتاج إلى كميات كبيرة من الوقود لأن الري لا يتم إلا مرة أو مرتين، بأنها "غير منطقية".

واقترح أن تضيف الحكومة هامش ربح إضافياً بنحو 25% للكيلوغرام الواحد، ليصل السعر إلى نحو 40 سنتاً، "بما يراعي تحقيق هامش ربح مقبول للمزارعين"، مشيراً إلى أن "أصحاب المحاصيل البعلية أيضاً بحاجة لهامش ربح جيد يعوضهم خسائر السنوات السابقة". 

اتحاد المزارعين يطالب برفع التسعيرة
مع صدور القرار أصدرت فروع الاتحاد العام للمزارعين بيانات تطالب بتعديل القرار وزيادة السعر، بما يشجع المزارعين على تسليم محاصيلهم، ويضمن هامش ربح حقيقياً، في ظل الارتفاع الكبير في تكاليف الإنتاج، خاصة بالنسبة للمساحات المروية.

وسجلت مذكرة من اتحاد مزارعي محافظة الحسكة، التي تُعدّ "عاصمة القمح السوري" ويُتوقع أن تنتج وحدها نصف إنتاج البلاد من القمح، حالة تذمر في أوساط المزارعين بشأن التسعيرة.

ولفتت المذكرة التي حصلت "الشرق" على نسخة منها ووجهت إلى الاتحاد العام للمزارعين، إلى وجود حالة عامة من "الاستياء والتذمر لكون السعر المحدد غير منصف أو مجزٍ، ولا يتناسب مع جهد المزارع وتكاليف الإنتاج"، داعية إلى "إضافة 150 دولاراً للطن كمكافأة تشجيعية، دعماً للمزارع ولضمان استمرار الإنتاج". 

من جهته، قال نائب رئيس الاتحاد العام للمزارعين في سوريا عبد الستار شحادة إن "التسعيرة الحالية، وإن صدرت بعد دراسة للواقع الاقتصادي وضمن ضوابط محددة تراعي أيضاً إمكانات الدولة والميزانية العامة، غير كافية قياساً لتكاليف الإنتاج وزيادة أسعار الوقود والطاقة والأسمدة التي انعكست جميعها على المزارع".

وأكد لـ"الشرق" أن "الاتحاد يرى أن رفع التسعيرة بنحو 550 ليرة قديمة، أي 5.5 ليرة جديدة، للكيلوغرام سيكون مناسباً، ويحقق هوامش أرباح جيدة للمزارعين"، متوقعاً أن "تُدرس التسعيرة من جديد، وأن تُؤخذ احتجاجات المزارعين ورأي الاتحاد بشأنها في الاعتبار".

ترقب توضيح حكومي بشأن التسعيرة
منذ صدور القرار، لم تصدر أي توضيحات حكومية حول مبرراته أو الآلية والعوامل التي أدت إلى اتخاذه، كما لم يصدر تعليق رسمي على الاحتجاجات والانتقادات التي تلته، والتي لا تزال مستمرة في عدة مناطق.

وتواصلت "الشرق" مع عدد من الجهات الحكومية للتعليق، وحصلت على تأكيدات بقرب صدور بيان حكومي توضيحي بشأن القرار، مع إمكانية تعديله بما يلحظ الاعتراضات القائمة عليه.

ومع الجدل الحاصل حول القرار وغياب التبريرات الحكومية، يرى الخبير الاقتصادي علي المحمد أن قرار تسعيرة القمح "من أكثر القرارات الاقتصادية حساسية، نظراً إلى أنه يمس الموازنة العامة، والنفقات المترتبة على المحصول، وتكاليف الإنتاج ومدخلاته من بذور وأسمدة وري وطاقة ويد عاملة ونقل، والتي شهد معظمها ارتفاعات متفاوتة في الفترة الماضية".

وأضاف في تصريحات لـ"الشرق"، أن "العام الحالي شهد معدلات مطرية وفيرة، ولكن مساحات كبيرة تضررت نتيجة السيول والبرد"، لافتاً إلى أن تقديرات المزارعين تشير إلى أن تكلفة إنتاج الطن الواحد تتراوح بين 400 و500 دولار للطن، وهو مبلغ يفوق التسعيرة الحكومية، ما يتطلب "أخذ هذه التكاليف بعين الاعتبار، خصوصاً أن تجاهلها قد يؤدي إلى عزوف المزارعين عن الزراعة والإنتاج". 

ولفت إلى أن "غياب السعر التأشيري بداية الموسم عقّد الأمر، نظراً إلى أنه يطلع المزارعين بشكل تقريبي على السعر الذي سيحصلون عليه"، مبيناً أن "التبريرات الحكومية ركزت على أن السعر يتماشى مع السعر العالمي، ويتناسب أو يتفوق على الأسعار في دول الجوار، وهو أمر صحيح، لكن المشكلة في الحالة السورية والوضع الاقتصادي السوري".

المصدر:
الشرق

أقرأ أيضاَ

اليابان تستقبل أول ناقلة نفط سعودي عبر مضيق هرمز منذ بدء الحرب

أقرأ أيضاَ

بلومبرغ: "الخطوط القطرية" تلغي مكافآت الموظفين بضغط خسائرها من الحرب